التأمّل في أيقونة الأنبا أنطونيوس الكبير

قدّمها لكم الأب سامي حلّاق اليسوعيّ

تنتمي هذه الأيقونة إلى فئة الأيقونات التعظيميّة. فهي تصوّر القدّيس في الوسط، وتروي في مربّعاتٍ على الأطراف بعض ملاحم حياته. فالقدّيس أنطونيوس مصريّ، ولِدَ في أسرةٍ غنيّة في السنة 251، وعاش في منطقة الفيّوم، توفّي والداه وهو في الثامنة عشرة من عمره، وتركا له ثروة وافرة وأختًا ليرعاها. بعد ستّة أشهر دخل الكنيسة، فسمع عبارة يسوع للشابّ الغنيّ: «إذا أردتَ أن تكون كاملاً، اذهب وبع مالك ووزّعه على الفقراء، وتعال اتبعني» (متى 19: 21). فشعر بأنّ الكلام موجّه إليه، فذهب وباع أراضيه، وأعطى أخته مالاً وفيرًا يؤمّن لها مستقبلها، وأودعها في ديرٍ للعذارى، ووزّع باقي ماله على الفقراء، وذهب وتنسّك في الصحراء، وظلّ هناك حتّى آخر أيّام حياته.

القدّيس أنطونيوس في الوسط

في وسط الأيقونة، يظهر القدّيس أنطونيوس بهيئة شيخ نهش الزهد جلده، ولكنّه لم ينهش سلامه الداخليّ. يعتمر قلنسوة الرهبان، وعليها صليب، ويضع معطفًا أرجوانيًّا يظهر تحته ثوب أبيض بسيط مشدود بحبل الزهد، ويمسك عكّازًا بشكل حرف T هي عكّاز الشيوخ المعلّمين.

السطر الأعلى

من اليسار إلى اليمين، في المربّع الأوّل، يظهر القدّيس أنطونيوس يوزّع ماله على الفقراء. وهو يظهر هنا بثيابٍ فاخرة، وذلك قبل لبسه المسوح وتوجّهه التدريجيّ إلى البرّيّة، والفقراء والأرامل يأتونه لينالوا منه الحسنات.

في المربّع الثاني، يظهر القدّيس أنطونيوس مستلقيًا في قبرٍ، والشياطين تعذّبه. فبعد هجره الدنيا، وجد القدّيس قبرًا مهجورًا فأقام فيه. كانت القبور مغاور في الجبال. لكنّ الرسّام اليونانيّ رسم القبر هنا شبيهًا بقبور بلاده الحجريّة، التي نراها في آثارنا الرومانيّة وفي أيقونات دفن المسيح. تظهر الشياطين وهي تضربه، إشارةً إلى طبيعة التجارب التي تعرّض لها وهي تجارب الجسد، سواء الجوع والعطش، أو الشهوة الجنسيّة.

في المربّع الثالث، القدّيس أنطونيوس يواجه اضطهاد الشرّير واضطهاد المسيحيّين في الإسكندريّة. ففي عهد مكسيميليانس دايا، عانى المسيحيّون في هذه المدينة اضطهادًا شديدًا. فترك أنطونيوس الصحراء، وذهب إلى هناك ليشدّد جماعته ويثبّتهم في إيمانهم. كما ذهب أنطونيوس مرّةً أخرى إلى الإسكندريّة لدحض بدعة آريس، التي تعتبر المسيح إلهًا من الدرجة الثانية، وليس كلمة الله الأزليّة. لذلك نجد في هذا المربّع الشيطان يوجّه سهامه نحو القدّيس، وكذلك الفرسان، ووراءهم مجموعة غير مسلّحة، هي مجموعة الهراطقة، تنظر إليه.

العمود الأيمن

في المربّع الأوّل، الشيطان يجرّب أنطونيوس بالثروة. حين هزم أنطونيوس غريمه الشرّير مرّاتٍ عدّة، قرّر أن ينتقل من الدفاع إلى الهجوم. وإذ قرأ أنّ الشيطان جرّب يسوع المسيح، رأى أنّ الشيطان يقيم في الصحراء والأراضي المقفرة. فعزم على الذهاب إلى الصحراء ليقهر الشيطان في عقر داره بالصلاة والصوم. وفي الطريق، وضع الشيطان له قرصًا من الفضّة، فلم يبالِ القدّيس به. ووضع له قرضًا من ذهب، فلم يبالِ أيضًا بالذهب.

في المربّع الثاني، يظهر شخص نصفه غزال يدعو القدّيس أنطونيوس لزيارة القدّيس بولس (بولا) أوّل المتوحّدين. في البداية ظنّ القدّيس أنطونيوس أنّها خدعة من الشيطان. ولكنّ إلهامًا من السماء جعله يفهم أنّ هناك شخص توحّد قبله، ويجب أن يتعرّف أنطونيوس إليه ليدوّن سيرته. كان بولا معتكفًا في الطرف الآخر من سلسلة جبال البحر الأحمر، وغراب يحضر له في كلّ يومٍ رغيف خبزٍ يقتات به.

العمود الأيسر

في المربّع الأوّل، الأبالسة تعيق أنطونيوس في صلاته. كان القدّيس أنطونيوس يقضي الليل في الصلاة. وحين يهمّ بالنوم ليريح جسده قليلاً، كانت الشياطين تصدر أصواتًا لتمنع عنه النوم، وتدعوه إلى الصلاة بدل النوم، كي يُرهق جسده، ويسقط فريسة الهلوسة والوساوس.

في المربّع الثاني، أنطونيوس يعظ تلاميذه ويكوّنهم. فقد شاع خبر تنسّك القدّيس أنطونيوس، وفاح عطر قداسته، فأمّه شبّان كثيرون أرادوا أن يقتدوا به، ويعيشوا عيشة الزهد مثله. فصار يجتمع بهم ويعظهم، ثمّ ينصرف كلّ واحدٍ منهم إلى منسكته للعمل والصلاة.

السطر الأسفل

من اليسار، القدّيس أنطونيوس يدفن الناسك بولا. فبعد زيارته لهذا الناسك وسماع سيرة حياته، أخبره بولا بأنّه يشعر بإلهامٍ داخليٍّ يقول له إنّه سيلاقي ربّه قريبًا. وعاد أنطونيوس إلى منسكته، وأحضر أكفانًا، لأنّ بولا كان يلبس لحاء شجر النخيل. وحين وصل وجده ميتًا. وحيث إنّ أنطونيوس كان شيخًا لا يقوى على حفر القبر، أرسل الله إليه أسدَين حفرا القبر بمخالبهما، فصلّى عليه ودفنه.

في الوسط، القدّيس أنطونيوس يعطي توصياته الأخيرة لتلاميذه قبل وفاته. شعر القدّيس أنطونيوس باقتراب نهاية رحلته على هذه الأرض، فجمع تلاميذه وأوصاهم قال: «إجتهدوا كي تتّحدوا بالله أوّلاً، ثمّ بقدّيسيه، فيستقبلونكم بعد موتكم كأصدقاء معروفين في الأخدار السماويّة».

على اليمين، التلاميذ يدفنون القدّيس أنطونيوس. فقد توفّي وعمره 105 سنوات قضى منها خمسًا وثمانين سنة في حياة الزهد والتنسّك.

«لقد ماثلتَ بسيرتكَ إيليّا الغيّور، وتبعتَ المعمدان في مناهجه القويمة، أيّها الأب أنطونيوس، فغمرتَ القفرَ وثبّتَّ المسكونة بصلواتك. فاشفع إلى المسيح الإله في خلاص نفوسنا».

نقلا عن http://www.jespro.org/index.php?option=com_k2&view=item&id=1139:pray-wit...