سِرُّ التجسُّد الإلهيِّ بين الخلاص والسُّكنى

 سِرُّ التجسُّد الإلهيِّ بين الخلاص والسُّكنى

بقلم الأب فاضل سيداروس اليسوعيّ 

المُقدِّمة

" ستلد [مريم] ابنًا فسمِّه يسوع لأنّه هو الذي يُخلِّص شعبه من خطاياهم. [...]

ها إنّ العذراء تحمل فتلد ابنًا يُسمُّونه عِمّانوئيل أي الله معنا(متّى 1/20-25).

لقد اعتدنا أن نعتبر سِرَّ التجسُّد الإلهيِّ سِرّ خلاص البشر من الخطيئة. ولقد تساءل العديد من اللاهوتيّين والروحانيّين: لو لم يُخطئ الإنسان، أكان الله تجسّد؟ فمِنهم مَن أجاب بالنفي (توما الأكوينيّ الدومنيكيّ: 1225-1274)، ومنهم بالإيجاب (دانْ سكوت الفرنسيسيّ: 1266-1308)، وظلّت القضيّة مطروحة إلى اليوم، ولم يبتّ فيها التعليم الكنسيُّ الرسميّ. غير أنّنا نبغي في تأمُّلنا أن نُوضِّح قُطبَي التجسُّد الإلهيّ: خلاص اللهِ البشرَ من جهة، وسُكنى اللهِ بين البشر من جهة أُخرى.

’يسوع‘، الله يُخلِّصُنا

إنّ اسم الشيطان باللغة اليونانيّة هو Diabolos  ، ومعناه الذي ’يفصل ويقسم ويُفرِّق‘. فعندما أغوى الشيطانُ أبوينا بالخطيئة، إنّما فصل وقسم وفرّق: بين الإنسان وبين الله، وبينه وبين أخيه الإنسان، وبينه وبين ذاته، وجعل الإنسانَ يكذب (آدم وحوّاء كذبا على الله لخوفهما منه)، ويقتل (قايين قتل هابيل)؛ لذلك وصفه يسوع "كذّابًا" و"أبا الكذب" إذ كذب على آدم وحوّاء ("ستصيران مِثل الله": تك 3/5)، و"قتّالًا منذ البدء" (يو 8/44) إذ دفع الإنسان إلى القتل منذ بِداية حياته المُشتركة؛ فضلًا عن أنّه حرّف حُرِّيّة الإنسان من الاتِّجاه نحو الله وحده، إلى الاتِّجاه نحو الخير والشرِّ معًا. تلك هي الملامح الرمزيّة التي تتّسم بها خطيئة الإنسان.

Emmauel-01

فتجسَّد اللهُ ليُخلِّص الإنسان من ذلك الفصل والانقسام والتفريق. وقد عبّرت أسفار العهد الجديد بعامّة وبولس ويوحنّا بخاصّة عن تلك الحقيقة على المُستويات الثلاثة المذكورة:

* المُصالحة بين الله والإنسان: إنّ المسيح أصلح بين البشر وبين الله (أف 2/16): "به نجرؤ، إذا آمنّا به، على التقرُّب إلى الله مُطمئنّين" (أف 3/12).

* المُصالحة بين البشر: إنّ المسيح "جعل من الجماعتين جماعة واحدة، وهدم في جسده الحاجز الذي يفصل بينهما، أي العداوة. [...] جعلهما جسدًا واحدًا بالصليب، وبه قضى على العداوة" (أف 2/11-18). ومن هنا دعوات بولس المُتكرِّرة إلى الوحدة (راجع مثلًا أف 4)، وتركيز يسوع عليها في صلاته الكهنوتيّة (يو 17/21 ت)[1].

* مُصالحة الإنسان مع ذاته: "الإنسان الجديد" (أف 2/15) الذي حرَّره المسيح من الشريعة (أف 2/15)، والخطيئة (روم 8/2)، والموت آخرِ عدوّ (1 قور 15/26).

لذلك فإنّ الإنسان الجديد هو "إنسان باطنيٌّ" يستبطن أُمور حياته في وحدة داخليّة مُميَّزة. فيدعو بولس المسيحيّين: "أن تشتدّوا بروح [الله]، ليقوى فيكم الإنسان الباطن. وأن يُقيم المسيح في قُلوبكم بالإيمان، حتّى إذا ما تأصّلتم في المحبّة وأُسِّستم عليها، تُدركون مع جميع القِدّيسين ما هو العرض والطول والعُلوُّ والعُمق، ويعرف محبّةَ المسيح التي تفوق كُلّ معرفة، فيتمثّل بكُلِّ ما في الله من كمال" (أف 3/14-19). إنّ ذلك النشيد الثالوثيّ خير تعبير عن المُصالحة الشخصيّة مع الذات، فتستطيع أن تنفتح على الله وعلى الآخرين، في المحبّة والمعرفة.

فهُناك "الإنسان القديم" بـ"أعمال الجسد": "الزِّنى والدعارة والفُجور وعِبادة الأوثان والسِّحر والعداوات والخِصام والحسد والسخط والمُنازعات والشِّقاق والتشيُّع والسُّكر والقصف وما أشبه". وهُناك "الإنسان الجديد" بـ"ثمر الروح"، إذ "حرّرَنا المسيحُ تحريرًا"، وصلبْنا "الجسد وما فيه من أهواء وشهوات": "المحبّة والفرح والسلام والصبر واللُّطف وكرم الأخلاق والإيمان والوداعة والعفاف. فإذا كُنّا نحيا حياة الروح، فلْنسِرْ سيرة الروح" (غل 5/1، 19-26). تلك بصمة المُصالحة الذاتيّة الحقيقيّة المُتأصِّلة في الله.

هكذا يعود اتِّجاهُ حُرِّيّةِ الإنسان نحو الله، وقد خلقه "على صورته كمِثاله" (تك 1/26-28)، وسمّاه غريغوريوس النيصيُّ "التمطِّي" نحو الله (باليونانيّة: Epectasis  )، بحسب تعبير الرِّسالة إلى أهل فيلبّي (فل 3/14)، وكما سمّاه أوغُسطينُس "الاتِّجاه" نحوه (باللاتينيّة: Tendere  ).

ذلك تحديدًا ما عمله يسوع المسيح بفِعل تجسُّده، وهو عكس ما عمله الشيطان تمامًا، فأصلح ما أفسده، وقوّم ما شوّهه؛ ويُكمّل الروح القُدس عمله في الأشخاص، تمجيدًا لله الآب. إلاّ أنّ للتجسُّد جانبًا آخر، وهو سُكنى الله مع البشر، فما الخلاص الإلهيُّ إلاّ الهدف السالب من الهدف الموجَب وهو السُّكنى الإلهيّة.

’عِمّانوئيل‘، الله معنا

حُضور الله للشعب العِبرانيّ

حضر الله لشعبه المُختار في مسيرته بالبرِّيّة، إذ رافقه "تابوتُ العهد" حتّى بناء الهيكل (خُر 25/10-22)، رمزًا لحُضور الله لشعبه، وتذكيرًا لأعماله الخلاصيّة، ولقيادته الإلهيّة، ولتعليمه في لوحي الشريعة (عدد 10/33، 1 صم 4-6). وكانت خيمةٌ تُرافقهم وتُظلِّلهم في أثناء مسيرتهم، إلى أن نُقل تابوت العهد إلى أورشليم في أيّام داود (2 صم 6/12-19)، حتّى بنى سُليمان هيكلًا له، رمزًا قويًّا لحُضور الله في وسط شعبه.

سُكنى الله المُتجسِّد مع البشر

Emmauel-02ما كانت تلك الخيمة وذلك الهيكل إلاّ صورة لسُكنى اللهِ الكلمة بين البشر، بفِعل تجسُّده: "الكلمة صار جسدًا ونصب خيمته بيننا" (يو 1/12)[2]. هكذا تحقّقت مليًّا نُبوءة أشعيا: "عِمّانوئيل، أي الله معنا"[3]. لم يتوقّع أحد أن يحضر الله بالجسد، ولكنّ ذلك قد تمّ تحديدًا بتجسُّد الله الكلمة، وبحياته الجسديّة أثناء ثلاثة وثلاثين عامًا بين البشر، ولا سِيّما تلاميذه، حيث إنّه "أقام منهم اثني عشر لكي يصحبوه"، وقد "أرادهم" رُفقاء له، هو معهم وهم معه (مر 3/14).

حتّى إنّ تِلميذي يوحنّا المعمدان، عِندما تبعا يسوع فالتفت إليهما، سألاه: "رابي، أين تسكن؟"، فدعاهما: "تعاليا فانظرا، فذهبا ونظرا أين يسكن، فسكنا عنده في ذلك اليوم" (يو 1/35-41). ويُعبِّر هذا المشهد عن مركزيّة السُّكنى مع الله في نوعيّة العلاقة بين الإنسان والإله المُتجسِّد، لا في العلاقة الجسديّة فحسب، بل الروحيّة أيضًا: في كلمته، وفي خُبزه خُبز الحياة، وفي مُمارسة وصيّة المحبّة وأفعال الرحمة، كما سنراه لاحقًا. ومن رُموز تلك السُّكنى، ارتباط الغُصن بجِذع الكرمة (يو 15/1-17). هكذا استُبطنت العلاقة: فلم تعُد علاقة الله "مع" شعبه فحسب، بل أصبحت "في" داخل كُلِّ مؤمن أيضًا[4]. ونفهم الآن كلام يسوع إلى السامريّة: "صَدّقيني، أيّتها المرأة. تأتي ساعة فيها تعبدون الآب، لا في هذا الجبل ولا في أورشليم، [... بل] بالروح والحقّ" (يو 4/21-23). فلم يعُد المؤمنون بحاجة إلى مكان جُغرافيٍّ خارجيٍّ للاتِّصال بالله - كالخيمة أو الهيكل - لأنّ الله يسكن فيهم سُكنى روحيّة حقيقيّة. هذا وقد منح اللهُ الكلمةُ المُتجسِّدُ الذين قبلوه وآمنوا به "سُلطانًا لأن يصيروا أبناء الله" (يو 1/14).

وإنّ يسوع المسيح، بعد قِيامته من بين الأموات، تراءى لتِلميذي عمّاوس، رفيقًا لهما على طريقهما، على دُروب حياتهما، ودخل بيتهما عند دعوتهما: "اُمكثْ معنا"، وقد أفصحا عن مشاعرهما أثناء حديثه إليهما: "أما كان قلبـُـنا مُتّقدًا في صدرنا؟"، تشوُّقًا منهما إليه، وإلى التحدّث إليه والسُّكنى معه (لو 24/13-35).

سُكنى الله الروح في الإنسانِ هيكلِه

إن كانت سُكنى الله المُتجسِّد تتعلّق بماضي تلاميذه والمؤمنين به، إلاّ أنّ سُكنى الروح القُدس تختصُّ بحاضرهم الإيمانيّ، ذلك بأنّ يسوع لم يتركهم "يتامى"، بل أرسل إليهم من لدن الآب الروحَ القُدس: "يسكن معكم ويكون فيكم" (يو 14/17-18 //)، "حالٌّ فيكم" (روم 8/9-11 //)، حتّى إنّ بولس يُذكِّرهم بأنّهم "هيكل الله الحيّ" (2 قور 6/16، 1 قور 3/16-17)، وبأنّ أجسادهم هي "هيكل الروح القُدس"، لا للزنى ولا لأنفسهم، بل له (1 قور 6/19). وذلك علامة حميميّة العلاقة بين الروح والمؤمنين بيسوع.

ولقد عبّر القِدّيس أثناسيوس، ومن بعده مُعظم الآباء الشرقيّين، عن ذلك بالمقولة الشهيرة: "أصبح الله حاملًا للجسد (باليونانيّة: Sarcophoros  )، ليُصبح الإنسان حاملًا للروح     (Pneumatophoros  )". فتجسَّد الله الكلمة بغاية أن يمنح الإنسانَ الروحَ القُدس.

وإن كان يسوع المسيح، بعودته إلى حِضن الآب، قد استحقّ للمؤمنين سُكنى الروح القُدس فيهم، فإنّ الروح بدوره يجعل يسوعَ المسيح حاضرًا لحياتهم، ساكنًا هو والآب فيهم، عبر عِدّة طُرق، وذلك في تضافر كامل وتناغم تامٍّ وتفاعل مُتبادل بين سُكنى الروح وسُكنى يسوع المسيح والآب:

* حُضور المسيح في كلمته

لقد صرّح يسوع لتلاميذه: "الكلام الذي كلّمتُكم به روحٌ وحياة" (يو 6/63). فالروح القُدس يؤوِّن كلامَ يسوع الماضي، أي يجعله كلامًا لحاضر المؤمنين، عندما يقرأونه أو يُصغون إليه فيتأمّلون فيه. إنّ الروح يجعل يسوع يحضر للمؤمنين به في فِعل تلاوة الكِتاب المُقدّس: "سكنتم فيّ وسكن كلامي فيكم" (يو 15/7). وحيثما يسوع، هُناك الآب: "إذا أحبّني أحد، حفظ كلامي، فأحبّه أبي، ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مسكنًا" (يو 14/23).

* حُضور المسيح في الأسرار والصلاة

وما يُقال في كلمة الله، يُقال في الأسرار الكنسيّة السبعة أيضًا، سِيّما في الإفخارستيّا حيث حُضور يسوع المسيح بجسده المُمجَّد وبدمه الزكيّ؛ ويتمُّ ذلك بعمل الروح القُدس، إذ "لا يستطيع أحد أن يقول ’يسوع ربٌّ‘ إلاّ بإلهام من الروح القُدس" (1 قور 12/3). ولا تنحصر الإفخارستيّا في وُجود يسوع المسيح "مع" المؤمنين به فحسب، بلسُكناه "فيهم" أيضًا، بحسب قوله في خُطبة ’خُبز الحياة‘: "مِن أكل جسدي وشرب دمي سكن فيّ وسكنتُ فيه" (يو 6/56)، رغبةً منه في حميميّة علاقته بالمؤمنين به الذين يتناولون جسده ودمه.

وأمّا الصلاة، فقد وعد يسوع بحُضوره في وسط جماعته المُصلِّية: "حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، كُنتُ هناك بينهم" (متّى 18/20).

* حُضور المسيح في المحبّة

إنّ وصيّة المحبّة الواردة في خُطبة الوِداع (يو 14-16) تتضمّن، هي الأُخرى، سُكنى يسوع المسيح  في مَن يعيش المحبّة: "اُسكنوا في محبّتي. [...] أحبّوا بعضكم بعضًا حُبّي لكم" (يو 15/9-12)[5].

 

سُكنى الله الآب مع أبنائه

Emmauel-03لقد ظهرت لنا سُكنى الله المُتجسِّد في ماضيه، وكذلك في حاضره بعمل الروح القُدس في حاضر المؤمنين؛ ويعمل الروح في ما يخصُّهم مُستقبلًا أيضًا، وذلك مع شخص يسوع المسيح بحسب طلبه إلى الآب في صلاته الكهنوتيّة: "يا أبت، إنّ الذين وهبتَهم لي، أُريد أن يكونوا معي حيث أكون" (يو 17/24)، وبحسب وعده بمائدة الملكوت، في خِتام الوحي الإلهيّ، وهو الكلمة الأخيرة: "هاءنذا واقف على الباب أقرعه، فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب، دخلتُ إليه وتعشّيتُ معه وتعشّى معي" (رؤ 3/20). ولأنّهم مع يسوع، فإنّ الروح القُدس الذي "يُرسله الآب باسمـ[ـه]" (يو 14/26)، "يكون معـ[ـهم] للأبد"؛ وكذلك يسكن الآب معهم، إلهًا وآبًا، ذلك بأنّ الكلمة المُتجسِّد هو "الطريق" إلى الآب، وعليه، "لا يمضي أحد إلى الآب إلاّ بـ[ـه]" (يو 14/6، 16).

وجدير بالإشارة إلى أنّ الحياة الأبديّة مُصوّرة على نمط التجسُّد الإلهيّ، وامتدادًا له: "عِمانوئيل، أي ألله معنا":

"رأيتُ سماء جديدة وأرضًا جديدة. [...]  ورأيتُ المدينة المُقدّسة، أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله مُهيّأة مِثل عروس مُزيّنة لعريسها.  وسمعتُ صوتًا جهيرًا من العرش يقول:  ’هوذا مسكن الله مع الناس، فسيسكن معهم، وهم سيكونون شُعوبه وهو سيكون ’الله معهم‘. [...] وقال الجالس على العرش:  ’هاءذا أجعل كُلّ شيء جديدًا. [...]  إنّ الغالب سيرث ذلك النصيب وسأكون له إلهًا، وهو سيكون لي ابنًا‘." (رؤ 21/1-8).

 الخاتمة

اكتشفنا بُعدًا عميقًا للتجسُّد الإلهيّ، إذ لم ننحصر في الخلاص، بل إنّ الخلاص قد فتح لنا آفاق السُّكنى الإلهيّة التي بدأت بتابوت العهد، وانتهت بتجسُّد الله الكلمة الذي سمح للروح بأن يسكن في المؤمنين، عُربونًا لسُكنى الآب مع أبنائه من جميع الشُّعوب، سُكنى شخصيّة باطنيّة حميمة.

 [1]    عمليًّا: لقد عِشنا، في أواخر القرن العِشرين، هدم سور برلين بين ألمانيا الشرقيّة (الشيوعيّة) والغربيّة (الديموقراطيّة)، تحقيقًا لما فعله يسوع المسيح بين اليهود والأُمم. وإن شُيِّد، في الآونة عينها، سورٌ آخر يفصل بين إسرائيل وفِلسطين، فذلك وجه من وُجوه عمل الشيطان في الفصل والانقسام والتفريق بينهما؛ إلاّ أنّنا نرجو هدْم ذلك السور أيضًا بفضل أناس ذوي إرادة صالحة، كما أعلنه الملائكة عند ميلاد المُخلِّص: "المجد لله في العُلى، والسلام في الأرض على الناس، فإنّهم أهل رِضاه" (لو 2/14).

[2]    إنّ الفعل اليونانيّ الأصليّ    Skènoô   (أي نصب الخيمة) قريب سمعيًّا من اللفظ العِبريّ "شَكَنَ" (أي سكن- سكينة).

[3]    يبدأ الإنجيل بحسب متّى بذِكر الله معنا، كما أشرنا إليه. وهو ينتهي بقول يسوع: "ها إنّي معكم طوال الأيّام إلى انقضاء الدهر" (28/20)، فالبُشرى هي، في نِهاية الأمر، الإعلان أنّ "الله معنا"، أي أنّ الله يسًكن مع الإنسان.

[4]    إنّ الفِعل اليونانيّ المُستعمل   Menô وارد 73 مرّة في الكُتابات اليوحنّاويّة: 38 في الإنجيل، 22 في الرِّسالة الأُولى، 3 في الرِّسالة الثانية، 10 في الرؤيا)؛ وتُرجم إلى العربيّة بأفعال مُختلفة: "سكن"، "أقام"، "ثبّت"، وفضّلنا ’سكن - سُكنى‘ تعبيرًا عن حميميّة الحُضور والعلاقة. وأمّا العِبارة اليونانيّة "في المسيح" (en Christo  )  فهي واردة أكثر من 160 مرّة في رسائل بولس؛ وما يُقال في المسيح، يُقال "في الروح" أيضًا.

[5]    هُناك قِراءتان مُمكنتان لهذه الكلمة: إمّا "كما أحببتُكم"، والمعنى أنّ يسوع قُدوة في المحبّة؛ وإمّا "حُبّي لكم"، والمعنى أنّ يسوع منبع ومصدر المحبّة.

أضف إلى ذلك أفعال المحبّة والرحمة الواردة في مَثل ’الدينونة العُظمى‘(متّى 25/31 ت)، حيث قول يسوع الذي يُطابق مصيرَه بمصير الفُقراء والمُعوزّين: "كُلُّ ما فعلتموه / لم تفعلوه لواحد من إخوتي هؤلاء الصِّغار، فبي قد فعلتموه/ لم تفعلوه". فخِدمة كُلِّ إنسان مُحتاج هي بمثابة خدمة لشخص يسوع المسيح الحاضر في هذا الإنسان.

نُشرت في مجلّة«   نور على الطريق»  الصادرة عن معهد التربية الدينيّة - السكاكيني - القاهرة.

http://www.jespro.org/index.php?option=com_k2&view=item&id=1116:incarnat...